أحمد بن محمد ابن عربشاه
95
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فأفكر الرشيق الفكر الدقيق ، في عقبى هذه القضية وما يحدث عنها من البلية ، فإنه قد كان أدرك من ذلك الشيطان سوء أفعاله من أقواله ، ووخيم عزماته من شمائل حركاته ، وشؤم سكناته وتحقق ذلك من عذبات لسانه وفلتأته . وكل شيء تزرعه ينفعك ، إلا ابن آدم إذا زرعته يقلعك . ومن أكرم ذا حسد ورأى من أمره عكسه ، فلا يلومن إلا نفسه . فصار يسوّف به ويدافعه ويمانعه ، ويصانعه ويدارى الوقت خوفا من المقت . « 1 » ، إلى أن أيس منه وقطع الرجاء عنه ، فالتهب قيظ غضبه « 2 » ، واشتعل شواظ لهبه ، فما رأى لبرود هذه الغصة إلا كتابة قصة ، يعرضها ذلك المنهمك على آراء الملك ، يضع فيها لشدة حسده من الرشيق ، ويفت من عضده ، ويفترى ذلك المجترى عليه ما هو عنه برى ، فراقب الفرصة وكتب القصة يذكر له مساوى فيها ، ومن جملة مساويها أن بجسد الرشيق من الداء العتيق ما أعجز الأطباء وأعيا الحكماء الألباء ، وإن ذلك الداء يعدى وفعل الإلزام يتعدى فيردى ، وأن كثيرا من الناس الأخيار ممن اطلع على دائه ومعضل بلائه يتحامون صحبته ويجتنبون قربه ومؤاكلته ، وإن هذه نصيحة عرضها وعلى نفسه فرضها ، إذ القيام بأدائها واجب عليه وانهاؤها إلى المسامع الشريفة مندوب إليه . فلما وقف الملك على مضمون ما أنها ذلك الخبيث فيما ادّعاه ، تذكر ما قاله لبيد للنعمان عن وزيره العبسي فيما مضى من الزمان وهو « 3 »
--> ( 1 ) الحسرة والخسارة . ( 2 ) القيظ : الشديد الحر . وقيظ غضبه : شدته . ( 3 ) لبيد بن ربيعة ، شاعر مخضرم ، من أصحاب المعلقات توفى بالكوفة ( 31 ه ) مسلما والنعمان : هو ابن المنذر أبو قابوس ، من آخر ملوك الحيرة مدحه كثير من الشعراء توفى قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . البداية والنهاية ( 2 / 205 ) .